مجمع البحوث الاسلامية

863

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ب - طرح الشّربينيّ هنا سؤالا ، كيف يجمع بينها وبين وَكَفى بِنا حاسِبِينَ الأنبياء : 47 ؟ وأجاب تارة بأنّ المراد به هنا ( شاهدا ) ، وهناك ( محاسبا ) ، وأخرى بأنّ للقيامة مواقف مختلفة ، ففي موقف وكّل اللّه حسابهم إلى أنفسهم - وعلمه محيط بهم - وفي آخر يحاسبهم هو . ونقول : لا اختلاف بين الآيتين ، فإنّ المحاسب لجميع الأعمال هو اللّه تعالى ، وكفى به حسيبا لعلمه الكامل وعدله الشّامل ، إلّا أنّه قد أنصف عباده بأن جعلهم حاسبا وشاهدا على أعمالهم الّتي يقرؤونها في كتب أعمالهم ، إتماما للحجّة عليهم ، وتكريما لهم ، بأن فوّض الحكم فيها إليهم ، ولم يستبدّ هو بالحكم عليهم . ج - وللقشيريّ كلام لطيف في الآية حاصله : أنّ من ساعدته العناية الأزليّة حفظ اللّه عليه ما يكون من أعماله وبالا عليه يوم حسابه ، فلا يظهرها له . وغيرهم ممّن أهملهم يحكّمهم في أحوال أنفسهم ، فتركهم وأعمالهم ، فيطّلعون عليها ، فيحكمون على أنفسهم باستحقاقهم للعذاب ، وكم لهم من حسرة يتجرّعونها ، وخيبة يتلقّونها ! ! وزاد : ويقال : من حاسبه بكتابه فكتابه ملازمه في حسابه ، فيقول : ربّ لا تحاسبني بكتابي ، ولكن حاسبني بما قلت : « إنّك غافر الذّنب وقابل التّوب » لا تعاملني بمقتضى كتابي ففيه بواري وهلاكي . هذه كلّها في الصّنف الأوّل من « آيات الحساب » وهو حساب الأعمال في الدّنيا أو الآخرة . الصّنف الثّاني : حساب الأشياء 5 آيات : ( 90 - 94 ) وهي ثلاثة أقسام : اثنتان حساب الأيّام والسّنين ، واثنتان حساب الشّمس والقمر - جاء الأوّل بلفظ حساب والثّاني بلفظ حسبان - وواحدة حسبان السّماء . أ - حساب الأيّام والسّنين : ( 90 ) : هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ . ( 91 ) : وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ . . . وفيهما بحوث : 1 - قد جمع اللّه بين الشّمس والقمر واللّيل والنّهار في آيات ، للعلاقة الماسّة بينها ، فإنّ اللّيل والنّهار تتبعان حركة الشّمس والقمر - لاحظ الموادّ الأربع - وكذلك جاء في الآيتين فقد بدأ اللّه الأولى بجعل الشّمس والقمر ضياء ونورا وتقدير منازلهما ، ثمّ تلاه باختلاف اللّيل والنّهار : أي تواليهما ، أو اختلافهما ظلمة ونورا - وهو الظّاهر - وعكس الأمر في الثّانية حيث بدأ بجعل اللّيل والنّهار آيتين ، ثمّ تلاه بالإيماء إلى الشّمس والقمر ، وهما سببان وآيتان للّيل والنّهار . فمحى آية اللّيل - وهي القمر - أي طمس نوره بما جعل فيه من السّواد . وأبصر ، أي أضاء آية النّهار - وهي الشّمس - هكذا فسّرها الطّبرسيّ ( ج 3 : 402 ) ، ثمّ حكى